random
آخر المشاركات

حكامة التدبير المادي والمالي بالمؤسسات التعليمية: بين إكراهات الواقع ورهانات التحديث

 مقدمة:

تُعتبر الحكامة المادية والمالية العصب الحيوي لأي مشروع إصلاحي يستهدف منظومة التربية والتكوين. فلا يمكن الحديث عن تجويد العملية التعليمية التعلمية أو تنزيل البرامج البيداغوجية الطموحة بمعزل عن بنية تحتية سليمة وتدبير مالي رشيد. إن التدبير المادي والمالي ليس مجرد عمليات محاسباتية تقنية، بل هو الأرضية الصلبة التي يبنى عليها الفعل التربوي بأكمله

حوكمة التدبير المادي والمالي بالمؤسسات التعليمية: بين إكراهات الواقع ورهانات التحديث.

في هذا المقال، نسلط الضوء على ماهية هذا التدبير، آلياته، واقعه الحالي، والتحديات التي تواجهه.

أولاً: مفهوم التدبير بشقيه المادي والمالي

يرتكز تسيير المؤسسات التعليمية على جناحين متكاملين:

  1. التدبير المادي: ويشمل العناية بالبنية التحتية للمؤسسة (عقارات، تجهيزات ثابتة ومنقولة، وسائل تعليمية). وتتطلب إدارته دورة حياة متكاملة تبدأ بتحديد الحاجيات، مروراً بالاقتناء والتخزين، وصولاً إلى الصيانة والإصلاح، وانتهاءً بالتخلص من المتلاشيات لضمان أمن وجمالية الفضاء المدرسي.
  2. التدبير المالي: ويُعنى بضبط الموارد المالية (مداخيل ورسوم، منح الأكاديميات، شراكات) وترشيد النفقات وفق المساطر القانونية. ويهدف إلى توفير السيولة اللازمة لتسيير شؤون المؤسسة اليومية والاستراتيجية.

ثانياً: الفاعلون وآليات التدبير

يخضع التدبير المادي والمالي لمنظومة تشريعية صارمة (الميثاق الوطني، النظام الأساسي، القوانين التنظيمية) ويشرف عليه فاعلون رئيسيون:

  • مدير المؤسسة (الآمر بالصرف): هو المسؤول الأول عن توفير شروط السلامة والعمل. يتولى مهام "المحاسبة الإدارية" التي تشمل إثبات المداخيل وتصفيتها، والالتزام بالنفقات والأمر بأدائها.
  • مسير المصالح المادية والمالية (المحاسب): يعمل تحت إشراف المدير ولكن بمسؤولية محاسبية دقيقة. يتولى "المحاسبة المادية" (تتبع المخزون والتجهيزات) و"المحاسبة النقدية" (مسك السجلات المالية، استخلاص المداخيل، وصرف النفقات).
  • مجلس التدبير: يمثل المقاربة التشاركية، حيث يضم فاعلين تربويين وشركاء (جمعيات آباء، جماعات محلية). دوره محوري في دراسة الحاجيات، المصادقة على التقارير السنوية، واقتراح سبل الصيانة والشراكات.

ثالثاً: خصوصية الموارد والمحاسبة

رغم أن المؤسسات التعليمية لا تملك "ميزانية" بالمفهوم الاقتصادي المستقل، إلا أنها تدبر موارد متنوعة تشمل رسوم التسجيل، التأمين، الذخائر، واعتمادات التسيير (التغذية، الصيانة) المرصودة من الأكاديميات الجهوية.

تخضع هذه العمليات لمبادئ المحاسبة العمومية (الشرعية، الاستقلالية، المراقبة)، حيث تنقسم المسؤولية بوضوح بين المدير (سلطة القرار الإداري) والمسير (سلطة التنفيذ المحاسباتي)، وذلك لضمان الشفافية وحماية المال العام.

رابعاً: تشخيص الواقع.. فجوة بين التنظير والتطبيق

على الرغم من وضوح النصوص التنظيمية، إلا أن الواقع الميداني للتدبير المادي والمالي يعاني من اختلالات تعيق تحقيق الجودة المنشودة، ومن أبرزها:

  1. تقادم الترسانة القانونية: لا تزال العديد من النصوص التنظيمية متجاوزة ولا تواكب روح العصر ومتطلبات "مدرسة النجاح" أو مستجدات التكنولوجيا.
  2. تعثر الاستقلالية المالية: لم يتم تفعيل تحويل المؤسسات إلى "مرافق الدولة المسيرة بطريقة مستقلة" (SEGMA) بشكل إجرائي واسع كما دعا الميثاق الوطني، مما يحد من مرونة التدبير.
  3. البيروقراطية والبطء: يتسم التعامل المالي والإداري بكثرة الوثائق وتعقد مساطر الصرف، مما يؤثر سلباً على سرعة الاستجابة لحاجيات المؤسسة وحقوق الدائنين.
  4. ضعف الموارد والكفاءات: تعاني المنظومة من شح في الإمكانيات المادية، ونقص في التكوين المستمر للموارد البشرية في مجالات المحاسبة الحديثة والتدبير المعلوماتي.

خاتمة: نحو آفاق جديدة

إن الانتقال بالمؤسسة التعليمية من مجرد فضاء للتحصيل التقليدي إلى مؤسسة منتجة ومبدعة يقتضي ثورة في أساليب التدبير. يتطلب الأمر تحديث النصوص التشريعية، وتعميم الرقمنة لتبسيط المساطر، وتفعيل حقيقي لمجالس التدبير.

كما أن الرهان الأكبر يكمن في تأهيل العنصر البشري وتزويده بثقافة تدبيرية حديثة تمزج بين النجاعة الاقتصادية والرسالة التربوية، لضمان مدرسة عمومية ذات جودة وتنافسية.

إحصائيات المنشور
..
متواجدون ...
👁️
مشاهدات ...
📝
كلمات 0
⏱️
قراءة 0 د
📅
نشر 27/01/2026
♻️
تحديث 29/01/2026
google-playkhamsatmostaqltradentX