مقدمة: "النقطة العمياء" في الإدارة التربوية
يعتبر الفضاء المدرسي منظومة متكاملة لا تقتصر فقط على الحجرات الدراسية والأطر البشرية، بل تشمل البنية التحتية والمجال البيئي الذي يؤثث المؤسسة. وفي خضم الأعباء الإدارية اليومية، يغفل الكثير من المدبرين التربويين عن ملف شائك ومعقد، ألا وهو "تدبير الأشجار والمغروسات"
.
قد يبدو الموضوع للوهلة الأولى بسيطاً أو ثانوياً، أو مجرد نشاط ترفيهي ضمن الحياة المدرسية، إلا أنه في الواقع يمثل "نقطة عمياء" (Angle mort) في التدبير الإداري والتربوي. إن الجهل بالمساطر القانونية المنظمة لهذا المجال قد يهدد الأمن الوظيفي للمدير، ويضعه تحت طائلة المساءلة القانونية. فالأشجار ليست مجرد زينة، بل هي عقار مملوك للدولة، يخضع لترسانة قانونية صارمة تعود في أغلبها للفترة الاستعمارية.
يهدف هذا المقال المطول إلى تفكيك هذه الإشكالية، وتوضيح المساطر القانونية لقطع وتشذيب وجني ثمار الأشجار، وكيفية التعامل مع عائداتها المالية، مستندين في ذلك إلى بحث ميداني وتحليل قانوني دقيق
.
الفصل الأول: الوضعية القانونية للأشجار (هل هي عقار أم منقول؟)
لفهم الإطار القانوني، يجب أولاً تصحيح المفاهيم. أظهرت الدراسات الميدانية أن 33.2% من الفاعلين الإداريين لا يدركون أن الأشجار تندرج ضمن نطاق "العقار". وهذا هو المدخل الأول للأخطاء التدبيرية.
1. تعريف العقار في التشريع المغربي
بالرجوع إلى "مدونة الحقوق العينية" (القانون 39.08)، وتحديداً المادة 6، نجد أن العقار بطبيعته هو "كل شيء مستقر بحيزه ثابت فيه لا يمكن نقله من دون تلف أو تغيير في هيئته". وبالتالي، فإن:
- النبات كعقار بالطبيعة: كل ما تنبته الأرض من ثمار ومحصول وزرع، وكل ما يغرس فيها من أشجار، يعد عقاراً ما دامت جذوره ممتدة في باطن الأرض.
- الاندماج بالأرض: تكتسب الأشجار صفة "العقار" بفضل اندماجها في الأرض التي تغذيها.
- تحولها إلى منقول: تفقد الأشجار صفتها العقارية وتصبح "منقولاً" فقط عند قطعها أو فصلها عن الأرض.
2. لمن تعود ملكية أشجار المدارس؟
المؤسسات التعليمية العمومية تُبنى عادة على أراضٍ تابعة لـ "الملك الخاص للدولة". وبحكم المادة 14 من مدونة الحقوق العينية، فإن حق الملكية يخول للدولة وحدها سلطة الاستعمال والاستغلال والتصرف. إذن، الأشجار المتواجدة داخل أسوار المدرسة هي ملك للدولة (ممثلة في مديرية أملاك الدولة أو المياه والغابات حسب نوع الغطاء النباتي)، وليست ملكاً خاصاً للمدير أو لجمعية الآباء أو حتى للتعاونية المدرسية، رغم أن التلاميذ هم من قاموا بغرسها وسقيها.
الفصل الثاني: الأهمية الاستراتيجية للتشجير في الوسط المدرسي
قبل الخوض في المساطر المعقدة، يجب التذكير بالأسباب التي تجعل الوزارة والمؤسسات تتشبث بعمليات التشجير، والتي نصت عليها المذكرة الوزارية رقم 52 بتاريخ 26 مارس 1990.
1. الأهمية البيئية والصحية
تلعب الأشجار دور "رئة" المؤسسة، حيث أثبتت الدراسات العلمية المعتمدة ما يلي:
- امتصاص الكربون: هكتار واحد من الأشجار يمتص ما بين 220 إلى 280 كلغ من غاز ثاني أكسيد الكربون سنوياً.
- إنتاج الأكسجين: نفس الهكتار يطلق ما بين 180 إلى 240 كلغ من الأكسجين.
- تصفية الهواء: الأشجار قادرة على خفض نسبة الغبار في الجو بحوالي 30% إلى 40%، حيث يرسب هكتار واحد حوالي 9 أطنان من الغبار.
- الحماية من الجراثيم: تفرز بعض الأشجار (مثل الصنوبر والكينا) مواد طيارة تقتل الجراثيم وتطرد الحشرات.
2. الأهمية التربوية والترفيهية
- وسيلة تعليمية: تعتبر الأشجار حقلاً للتجارب في مواد النشاط العلمي، لتمكين المتعلم من إدراك فكرة الزمان وتعاقب الفصول.
- الفضاء الترفيهي: توفر الظل والجمالية للساحات، وتعتبر فضاءً للأنشطة الرياضية والتربوية.
إن هذه الأهمية هي التي دفعت وزارة التربية الوطنية لتوقيع اتفاقيات شراكة مع المندوبية السامية للمياه والغابات لتوفير الأغراس وتشجيع التشجير.
الفصل الثالث: مسطرة قطع وتشذيب الأشجار (المتاهة القانونية)
هنا يكمن "الفخ" الإداري. فعملية قطع شجرة أو حتى تشذيبها (Elagage) ليست قراراً فردياً يتخذه المدير، بل هي عملية مقننة بظهائر تعود لعام 1916 و1917 ومذكرات وزارية.
1. الإطار المرجعي: المذكرة الوزارية رقم 52 (1990)
تعتبر هذه المذكرة الوثيقة الأساسية التي تؤطر العملية داخل المؤسسات التعليمية. وقد حصرت دواعي القطع في حالتين فقط:
- توسيع بنايات المؤسسة.
- عندما تشكل الأشجار خطراً على سلامة التلاميذ أو منشآت المؤسسة.
الإجراءات الواجب اتباعها حسب المذكرة:
- عقد اجتماع لمجلس التدبير (أو لجنة منه) تحت إشراف المدير لدراسة الوضع.
- الحصول على إذن مسبق من السلطات المحلية.
- إشعار المديرية الإقليمية (وفي بعض التفسيرات يجب الحصول على ترخيص).
- ضرورة معاينة وتتبع العملية لضمان السلامة.
2. تعقيدات الظهائر القديمة (1916 و 1917)
رغم وجود المذكرة 52، إلا أن القانون الأسمى (الظهير) يظل سارياً.
- ظهير 30 يونيو 1916: يمنع قطع الأشجار داخل المدن والقرى ومحيطها (5 كلم) إلا بترخيص.
- الاستثناءات الصارمة:
- شجر الأركان: يمنع قطعه بصفة قطعية، ويسمح فقط بالانتفاع من ثماره وأغصانه الميتة (ظهير 1925).
- نخيل التمر: يمنع قطعه إلا إذا كان يشكل خطراً أو يعيق البناء، ويشترط أحياناً إعادة غرسه (قانون 01.06).
- الأشجار الغابوية: تتطلب ترخيصاً خاصاً من إدارة المياه والغابات إذا كان عمرها يقل عن 20 سنة.
3. الفرق بين القطع والتشذيب
- التشذيب: غالباً ما تكفي فيه مراسلة المديرية الإقليمية وإخبار السلطة المحلية، نظراً لأنه يندرج ضمن الصيانة.
- القطع: يتطلب مسطرة معقدة وترخيصاً صريحاً، خاصة إذا كان سيتم بيع الخشب الناتج عنه.
الفصل الرابع: المعضلة المالية – مصير الخشب والثمار
عندما تنضج ثمار الزيتون في مدرسة، أو يتم قطع أشجار الكاليبتوس الضخمة، تنتج عن ذلك "محاصيل" ذات قيمة مالية. هنا يطرح السؤال الأهم: من له الحق في بيعها؟ وأين تذهب الأموال؟
1. المسطرة القانونية (النظرية)
بما أن الأشجار "ملك خاص للدولة"، فإن بيع منتوجاتها (خشب أو ثمار) هو من اختصاص مديرية أملاك الدولة حصرياً. تخضع العملية لـ "ظهير السمسرة العمومية" (1919) ، وتتم عبر المراحل التالية:
- تحديد الثمن الافتتاحي من طرف اللجنة المختصة.
- نشر إعلان السمسرة قبل 15 يوماً.
- إجراء السمسرة العمومية بحضور ممثل أملاك الدولة.
- تحويل العائدات إلى خزينة الدولة (الخزينة العامة)، مع تأدية 10% مصاريف إضافية وحقوق التسجيل.
الخلاصة الصادمة: قانونياً، لا يحق للمدرسة الاحتفاظ بقرش واحد من بيع هذه المحاصيل، لأنها إيرادات دولة.
2. الواقع التطبيقي (ما يحدث فعلاً)
كشف البحث الميداني عن هوة سحيقة بين القانون والواقع.
- الجهل بالمسطرة: صرح 54% من المدراء المستجوبين أنهم لا يعلمون بمسطرة قطع الأشجار.
- الخرق "بحسن نية": العديد من المؤسسات تقوم ببيع المحاصيل وتحويل العائدات لجهات أخرى لخدمة التلميذ. وحسب الاستبيان، ترى 85% من العينة أن تحويل الأموال للدولة "غير منطقي" لأن المنتوج ثمرة جهد التلاميذ.
3. وجهات الأموال في الواقع العملي
أين تذهب الأموال عادة؟
- جمعية التعاون المدرسي: 39% من المستجوبين يرون تحويل الأموال لها. بل إن بعض المديريات الإقليمية (مثل آسفي) أصدرت مراسلات رسمية ترخص بوضع الأموال في حساب التعاونية. وهذا إجراء "عرفي" يخرق مبدأ وحدة الصندوق ووظيفة أملاك الدولة، لكنه متبع لتسهيل المأمورية.
- جمعية دعم مدرسة النجاح: 14% يفضلون هذا الخيار ، وقد رصدت حالات تم فيها تحويل مبالغ كبيرة (70,000 درهم) لحساب الجمعية بعلم المديرية.
- جمعية الآباء: 47% يرون تحويلها لجمعية الآباء. وهذا أخطر الخيارات قانونياً، لأن الجمعية هيئة خارجية لا علاقة لها بممتلكات الدولة.
الفصل الخامس: مخاطر التدبير العشوائي ونتائج البحث الميداني
أظهرت نتائج الاستمارة التي شملت 116 فاعلاً تربوياً حقائق مقلقة حول كيفية تدبير هذا الملف:
- مصدر الأشجار: الغالبية العظمى من الأشجار (100 إجابة من أصل 116) تم غرسها في إطار أنشطة الحياة المدرسية وبجهد المتعلمين. هذا يعزز الشعور بـ "الملكية المعنوية" للمدرسة، ويخلق صداماً مع "الملكية القانونية" للدولة.
- غياب التوثيق: 67.9% أكدوا أنه لم يتم احترام المسطرة القانونية في عمليات قطع أو بيع شهدوها.
- الخطر القانوني: التصرف في خشب الأشجار أو ثمارها دون الرجوع لأملاك الدولة قد يُكيّف قانونياً على أنه "تبديد للمال العام" أو تصرف في ملك الغير، مما يعرض المدير للمساءلة.
الفصل السادس: الحلول والمقترحات (نحو تدبير سليم)
لتجاوز هذا الجمود، وللتوفيق بين صرامة القانون (عائدات الدولة) وروح التربية (تحفيز التلاميذ والاستفادة من عائدهم)، يقترح البحث حلولاً قانونية مبتكرة.
1. تفعيل "حق الانتفاع" (Usufruct)
يقترح الباحث استلهام تجربة "ظهير الانتفاع من شجر الأركان" (1925) الذي منح السكان المحليين حق استغلال الغابات. الحل يكمن في أن تمنح الدولة "حق الانتفاع" (Droit d'usufruit) من عقار المؤسسة التعليمية لفائدة "جمعية دعم مدرسة النجاح".
- السند القانوني: المادة 14 و 16 من مدونة الحقوق العينية تسمح للمالك (الدولة) بمنح حق الاستغلال للغير.
- النتيجة: تصبح عائدات الأشجار (ثمار، خشب) قانونياً من حق الجمعية، التي تعيد استثمارها في صيانة المؤسسة وتجويد التعلمات، بدلاً من إرسالها لخزينة الدولة المركزية.
2. اعتماد "حق الاستعمال" أو "العمرى"
كبديل لـ "حق الانتفاع" الذي قد يتيح الكراء والرهن (وهو ما لا يحبذ للمدارس)، يمكن اللجوء لـ "حق الاستعمال" أو "حق العُمرى" (المواد 105-108 من المدونة)، لتقييد الاستفادة في حدود حاجيات المؤسسة التربوية فقط.
3. دليل عملي للمدير (خطوات النجاة)
إلى حين تعديل القوانين، ينصح المدير باتباع الخطوات التالية لحماية نفسه:
- لا تقطع أبداً بمفردك: اعقد دائماً مجلس التدبير ووثق الحاجة للقطع في محضر رسمي (خطر، حجب رؤية، بناء).
- راسل الجميع: راسل السلطة المحلية والمديرية الإقليمية.
- تجنب "الكاش": في حالة البيع (الذي يفضل أن تشرف عليه أملاك الدولة)، إذا اضطررت للتدبير المحلي بتوجيه من مديريتك، احرص على أن تدخل الأموال مباشرة لحساب بنكي رسمي (التعاونية أو مدرسة النجاح) مع وجود إذن كتابي من المديرية، وتجنب مسك الأموال نقداً أو تسليمها لجمعية الآباء.
- التشجير الذكي: تجنب غرس أشجار ضخمة الجذور أو سريعة النمو التي قد تسبب مشاكل مستقبلية للبنايات (مثل الكاليبتوس قرب الأسوار).
خاتمة
إن تدبير الأشجار بالمؤسسات التعليمية ليس مجرد عملية بستنة، بل هو تمرين إداري وقانوني دقيق يكشف عن تقاطع بين تشريعات عقارية قديمة ومتطلبات تربوية حديثة. في ظل غياب "مدونة خاصة للملك الخاص للدولة" واضحة المعالم ، يبقى المدير هو المسؤول الأول عن الموازنة بين جمالية الفضاء وسلامة المتعلمين واحترام القانون.
إن تبني مقترح "حق الانتفاع" لفائدة جمعيات دعم مدرسة النجاح يبدو الحل الأمثل والأكثر عدالة، لإنصاف مجهودات التلاميذ والأطر، وتحويل العائدات البيئية إلى موارد تدعم جودة التعليم، بدلاً من أن تضيع في دهاليز المساطر المالية المركزية المعقدة.