تقديم:
في سياق التحولات العميقة التي تعرفها منظومة التربية والتكوين بالمغرب، وخاصة مع تنزيل ورش الجهوية المتقدمة، لم يعد التدبير المالي مجرد عملية تقنية لصرف النفقات، بل أصبح أداة استراتيجية لتنزيل السياسات العمومية. وتعتبر الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين (AREF) حجر الزاوية في هذا البناء، حيث تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، مما يضع على عاتق المسيرين وأطر الاقتصاد والإدارة مسؤولية جسيمة في إعداد، تنفيذ، ومراقبة الميزانية.
يقدم لكم هذا الدليل المرجعي تفكيكاً دقيقاً وشاملاً لمسار إعداد الميزانية، بدءاً من الإطار المفاهيمي، مروراً بالبنية الهيكلية للموارد والنفقات، ووصولاً إلى آليات التنفيذ والرقابة، استناداً إلى آخر المستجدات القانونية والتنظيمية.
| الدليل الشامل لإعداد وتنفيذ ميزانية الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين: المساطر، الآليات، والرقابة |
أولاً: الإطار المفاهيمي والقانوني لميزانية الأكاديمية
قبل الخوض في الأرقام والبنود، يجب تأصيل المفهوم. إن ميزانية الأكاديمية ليست مجرد وثيقة محاسبتية، بل هي الترجمة الرقمية لبرنامج عمل الأكاديمية لسنة مقبلة.
1. مفهوم ميزانية الأكاديمية
تُعرف الميزانية بأنها الوثيقة التي يقرر ويؤذن بموجبها، بالنسبة لكل سنة مالية، في مجموع موارد وتحملات المؤسسة. فهي بمثابة "البيان المالي" الذي يقابل بين الموارد العامة (الإيرادات) والنفقات العامة، موجهًا إياها لتحقيق السياسة التعليمية بالجهة. قانونياً، واستناداً إلى المادة التاسعة من القانون 07.00 القاضي بإحداث الأكاديميات، تتكون بنية الميزانية من بابين رئيسيين: باب الموارد وباب النفقات.
2. السياق العام: اللامركزية واللاتمركز
يأتي إعداد هذه الميزانية في إطار التوجه العام للدولة نحو اللامركزية المرفقية (أو الوظيفية)، حيث يتم نقل اختصاصات الدولة إلى مؤسسات عمومية (الأكاديميات) تتمتع بالاستقلال المالي لكنها تظل تحت وصاية الدولة لضمان تقيدها بالقوانين الجاري بها العمل. هذا المزج بين اللامركزية واللاتمركز يهدف أساساً إلى تقريب القرار من المواطن والاستجابة الفورية لحاجيات القطاع التعليمي.
ثانياً: الهيكلة التقنية للميزانية (الموارد والنفقات)
يعتبر فهم "مدونة الميزانية" (Nomenclature) وبنيتها المفتاح الأول للتدبير السليم. تنقسم ميزانية الأكاديمية هيكلياً إلى قسمين:
1. هيكلة الموارد (من أين تأتي الأموال؟)
تتنوع مصادر تمويل الأكاديمية لضمان استقلاليتها ومرونتها، وتشمل:
- إمدادات الدولة: وهي المخصصات المحولة من الميزانية العامة (وهي المصدر الأكبر).
- الشراكات: الإعانات والمساهمات في إطار شراكات مع الجماعات الترابية أو هيئات عامة وخاصة.
- الخدمات الذاتية: مداخيل الخدمات التي تقدمها الأكاديمية والمرتبطة بنشاطها (مثل التكوين المستمر المؤدى عنه، بيع وثائق، إلخ).
- الهبات والوصايا: المداخيل المختلفة التي قد تتلقاها المؤسسة.
- الاقتراضات والتسبيقات: القروض المأذون بها قانوناً.
2. هيكلة النفقات (أوجه الصرف)
تنقسم النفقات إلى قسمين كبيرين: نفقات التسيير (الاستغلال) ونفقات الاستثمار (التجهيز).
أ- نفقات التسيير (Budget de Fonctionnement)
وهي النفقات الضرورية لضمان السير العادي للمرافق الإدارية والتربوية. وتتوزع على عدة أبواب ورموز دقيقة، نذكر أهمها كما جاء في المخطط المحاسبي :
- شراء المواد والاستهلاك (الرمز 61):
- التغذية: شراء مواد ولوازم التغذية (للداخليات والمطاعم).
- الصيانة: شراء مواد ووسائل التنظيف والوقاية الصحية.
- المكتبيات: لوازم المكتب، المعلوماتية، وأعمال الطبع.
- الطاقة: الماء (612 511)، الكهرباء (612 512)، والوقود (612 514).
- الخدمات الخارجية (الرمز 613/614):
- الكراء: كراء البنايات الإدارية والمدرسية.
- الصيانة والإصلاح: إصلاح المباني، الأثاث، والمعدات، وصيانة العربات (الزيوت وقطع الغيار).
- التعويضات: تعويضات التنقل، الساعات الإضافية، وتعويضات تصحيح الامتحانات.
- التحملات الاجتماعية والموظفين (الرمز 617): تشمل تعويضات الموظفين وتحملاتهم الاجتماعية.
- الدعم والإعانات (الرمز 65): منح الجمعيات العاملة في التربية غير النظامية ومحاربة الأمية.
ب- نفقات الاستثمار (Budget d'Investissement)
وترتبط بتنمية الأصول والممتلكات الثابتة للأكاديمية (الرمز 2)، وتشمل :
- البناءات (الرمز 232): تشمل دراسات البناء، أشغال بناء المؤسسات التعليمية والإدارية، وأشغال التهيئة الكبرى.
- المعدات والأثاث (الرمز 233):
- معدات التعليم (الوسائل الديداكتيكية).
- معدات الداخليات والمطاعم المدرسية.
- الأثاث المدرسي والمكتبي.
- المعلوماتية: شراء العتاد المعلوماتي والبرانم (الرمز 2355).
ثالثاً: سيرورة إعداد وتحضير الميزانية (الجدول الزمني)
لا يتم إعداد الميزانية في "غرف مغلقة"، بل هي مسار تشاركي تحكمه تواريخ دقيقة ومذكرات تنظيمية. بناءً على المنشور رقم 6/2023 والقانون التنظيمي للمالية 130.13، تمر العملية بالمراحل التالية:
- رسالة التأطير الحكومية (مارس): صدور منشور رئيس الحكومة المتعلق بإعداد المقترحات للبرمجة الميزانياتية لثلاث سنوات (مثلاً 2024-2026)، والذي يحدد التوجهات العامة والأولويات.
- المشاورات الأولية: انطلاق المشاورات مع المديريات الإقليمية لتحيين المعطيات وتحديد الحاجيات بناءً على الخريطة المدرسية.
- الندوات الميزانياتية (أبريل - ماي):
- عقد اجتماعات تقنية مع المصالح المركزية للوزارة.
- عقد ندوات مع المديريات الإقليمية للتحكيم في الحاجيات.
- الدورة الأولى للمجلس الإداري (يوليوز): تقديم حصيلة الموسم الدراسي والمؤشرات الأولية.
- المذكرة التأطيرية الوزارية: صدور المذكرة الخاصة بميزانية الأكاديمية من طرف وزير التربية الوطنية، التي تحدد السقف المالي والتوجهات القطاعية.
- الدورة الثانية للمجلس الإداري (دجنبر): المصادقة الرسمية على مشروع برنامج العمل وميزانية السنة المقبلة.
- التأشير والمصادقة النهائية: إحالة الميزانية على وزارة المالية للتأشير عليها، لتصبح قابلة للتنفيذ.
- تفويض الاعتمادات: بمجرد التأشير، يتم تفويض الاعتمادات للمديريات الإقليمية للشروع في التنفيذ.
رابعاً: المتدخلون والفاعلون في دورة الميزانية
تخضع ميزانية الأكاديمية لتدخل عدة فاعلين لضمان التوازن والشفافية:
- وزارة التربية الوطنية (السلطة الوصية): تقوم بجلب موارد الدولة وتوزيعها، تقديم الدعم التقني، ومواكبة الأكاديميات .
- المجلس الإداري: يعتبر أعلى سلطة تقريرية، يحدد البرنامج التوقعي ويحصر الميزانية، كما يراقب حصيلة الإنجازات .
- مدير الأكاديمية (الآمر بالصرف): هو المسؤول التنفيذي الأول. ينفذ قرارات المجلس الإداري، ويعتبر آمراً بالاستخلاص (للمداخيل) وآمراً بالصرف (للنفقات). يمتلك صلاحية تفويض جزء من سلطاته للمديرين الإقليميين (آمرون بالصرف مساعدون) .
- وزارة الاقتصاد والمالية: تمارس وصايتها المالية عبر المصادقة على الميزانية، ومراقبة الالتزام بالنفقات عبر المراقب المالي والخازن المكلف بالأداء .
خامساً: طرق وآليات تنفيذ الميزانية (كيف نصرف الاعتمادات؟)
بمجرد التأشير على الميزانية، يتم تنفيذ النفقات عبر ثلاث آليات قانونية رئيسية، تختلف حسب طبيعة النفقة وقيمتها المالية:
1. الصفقات العمومية (Marchés Publics)
هي الطريقة "العادية" والرئيسية لتنفيذ النفقات الكبرى، وتخضع للمرسوم رقم 2.12.349 (المحين بمرسوم 2023). هي عقود بعوض تبرم بين صاحب المشروع (الأكاديمية) ومقاول أو مورد لتنفيذ أشغال أو توريدات. تهدف هذه الآلية إلى ضمان الشفافية، المساواة في الولوج للطلبية العمومية، والمنافسة الشريفة .
2. سندات الطلب (Bons de Commande)
هي مسطرة مبسطة ومرنة لتلبية الحاجيات الاعتيادية أو المستعجلة التي لا تتطلب تعقيدات الصفقات.
- السقف المالي: محدد في 500,000 درهم (نصف مليون درهم) كحد أقصى لكل سنة مالية ولكل نوع من الأعمال وللآمر بالصرف الواحد (حسب الفصل 75 من مرسوم الصفقات، وقرار وزير المالية الذي حدد سقف 250,000 درهم للأشغال والتوريدات في سياقات معينة).
- الشروط: يجب أن يتضمن سند الطلب مواصفات الأعمال، تاريخ التنفيذ، وشروط الضمان.
3. شساعة النفقات (Régie de Dépenses) - "الخوالة"
هي تدبير استثنائي لفك العزلة المالية أو لأداء نفقات عاجلة وضئيلة القيمة لا تحتمل انتظار مساطر الالتزام والتصفية العادية.
- مسطرة الإحداث: تتم بقرار مشترك بين مدير الأكاديمية ووزارة المالية (المراقب المالي)، يحدد فيه سقف التسبيقات ونوعية النفقات المسموح بها.
- تعيين الشاسع: موظف يتم تعيينه بقرار ويصبح مسؤولاً شخصياً ومالياً عن الأموال التي بحوزته.
- التنفيذ: يتلقى الشاسع تسبيقاً مالياً (Avance)، يقوم بصرف النفقات، ثم يقدم الوثائق المثبتة للخازن لتسوية الوضعية وتجديد التسبيق .
- المحاسبة: يمسك الشاسع سجلات دقيقة (دفتر الصندوق، دفتر الحسابات) لضبط حركة الأموال .
سادساً: منظومة الرقابة (حماية المال العام)
لا يكتمل الحديث عن الميزانية دون التطرق للرقابة التي تضمن حماية المال العام وحسن التدبير. تخضع الأكاديمية لعدة مستويات من الرقابة:
1. الرقابة حسب التوقيت
- الرقابة القبلية (السابقة): تتم قبل صرف النفقة (مرحلة الالتزام) للتأكد من توفر الاعتمادات ومشروعية النفقة.
- الرقابة المواكبة: تتم أثناء التنفيذ لتدارك الأخطاء.
- الرقابة البعدية (اللاحقة): تتم بعد إنجاز العمل ومقارنة النتائج بالأهداف (افتحاص).
2. الرقابة حسب الجهة
- الرقابة الإدارية: تمارسها المفتشية العامة للوزارة والمجلس الإداري للأكاديمية.
- الرقابة المالية: يمارسها المراقب المالي (Contrôleur d'Etat) للتأشير على الالتزامات، والخازن المكلف بالأداء (Trésorier Payeur) عند صرف النفقة.
- الرقابة القضائية: يمارسها المجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية للحسابات. تهدف إلى التأكد من سلامة العمليات وتقييم التسيير، وتملك سلطة محاكمة المسؤولين في حال ثبوت مخالفات مالية.
خاتمة
إن إعداد وتحضير ميزانية الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين عملية مركبة تتطلب من المسير المالي والمادي الجمع بين الإلمام بالقوانين (القانون التنظيمي للمالية، قانون الصفقات)، والمهارة التقنية في ضبط بنود الميزانية، والرؤية الاستراتيجية لربط الاعتمادات بالأهداف التربوية.
في ظل الإصلاحات الجديدة التي جاء بها القانون الإطار 51.17، والتي تكرس مبدأ التعاقد وربط المسؤولية بالمحاسبة، أصبح لزاماً على كل مسير أن يضبط هذه الآليات ليس فقط لتفادي الأخطاء التدبيرية، بل للمساهمة الفعالة في تجويد المدرسة العمومية. الميزانية في النهاية وسيلة لخدمة المتعلم، وليست غاية في حد ذاتها.