مقدمة: الشريك الذي لا غنى عنه في معادلة التعليم المعقدة
في المشهد التعليمي المغربي، الذي يتسم بتحديات ضخمة وطموحات أكبر، لم تعد الدولة الفاعل الوحيد القادر على حمل عبء التربية والتكوين. لقد أصبح واضحاً للعيان أن إصلاح منظومة بهذا الحجم يتطلب تضافر جهود كل القوى الحية في المجتمع. وفي قلب هذه القوى، يقف "المجتمع المدني" كفاعل استراتيجي، مرن، وقريب من نبض الشارع، قادراً على الوصول إلى حيث تعجز الآليات الرسمية أحياناً.
لكن، كيف يبدو هذا الدور على أرض الواقع؟ هل هو دور تكميلي هامشي، أم ركيزة أساسية؟ وما هي التحديات الحقيقية التي تواجه آلاف الجمعيات التي تنشط يومياً في فصول محو الأمية، وروض الأطفال، ودعم التلاميذ في القرى النائية؟
للإجابة على هذه الأسئلة بعيداً عن الانطباعات العابرة، نغوص اليوم في تحليل استثنائي ومفصل لواحد من أهم الوثائق المرجعية التي صدرت في العقد الأخير: التقرير الموضوعاتي الصادر عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي سنة 2019، تحت عنوان "إسهام الجمعيات في تنمية التربية والتكوين والبحث".
هذا المقال ليس مجرد تلخيص، بل هو رحلة استكشافية عميقة في ثنايا هذا التقرير المرجعي، لنفهم بالأرقام والتحليل الكيفي واقع العمل الجمعوي في الحقل التربوي المغربي. سنعتمد في كل سطر من هذا التحليل المطول على المعطيات الواردة في تقرير المجلس الأعلى (2019)، لضمان الدقة والموضوعية.
أولاً: لماذا هذا التقرير؟ فهم السياق والمنهجية (قراءة في خلفيات دراسة المجلس الأعلى)
لم يأتي اهتمام المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي (CSEFRS) بالفاعل الجمعوي من فراغ. فكما يشير التقرير في ديباجته، فإن الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030 قد بوأت المجتمع المدني مكانة الشريك الفعلي في تفعيل رافعات التغيير. لقد أصبح الوعي راسخاً بأن الدولة وحدها، مهما رصدت من إمكانيات، لن تستطيع تغطية كافة الاحتياجات التربوية المتزايدة والمتنوعة.
1. الضرورة الملحة للفهم:
يؤكد تقرير المجلس الأعلى (2019) أن الهدف المركزي من هذه الدراسة هو تجاوز النظرة التبسيطية لعمل الجمعيات. كان لابد من "تشخيص دقيق" لواقع حال هذه الجمعيات، وفهم أنماط تدخلها، ورصد العراقيل التي تكبل طاقاتها، وصولاً إلى اقتراح توصيات عملية للارتقاء بدورها من مجرد "منفذ" للسياسات العمومية إلى "شريك" في بلورتها وتقييمها.
2. منهجية صلبة لرسم خريطة دقيقة:
ما يمنح هذا التقرير قوته ومصداقيته هو المنهجية المزدوجة التي اعتمدها، والتي زاوجت بين المقاربة الكمية والكيفية، كما هو مفصل في فصل المنهجية من التقرير:
البحث الكمي: تمثل في استطلاع وطني واسع شمل عينة تمثيلية تتكون من 1257 جمعية تنشط في مختلف مجالات التربية والتكوين عبر ربوع المملكة. هذا الرقم الضخم يمنحنا صورة بانورامية ذات دلالة إحصائية قوية.
البحث الكيفي: لم يكتفِ المجلس الأعلى بالأرقام، بل غاص في العمق عبر تنظيم 32 مجموعة بؤرية (Focus Groups) وإجراء 65 مقابلة فردية مع الفاعلين الرئيسيين، من رؤساء جمعيات، ومسؤولين في القطاعات الحكومية المعنية، وخبراء، ومستفيدين. هذا الشق الكيفي هو الذي أضفى الطابع الإنساني على التقرير، كاشفاً عن التوترات، الطموحات، والإحباطات التي لا تظهرها لغة الأرقام الجافة.
إن اعتمادنا على هذا التقرير المرجعي للمجلس الأعلى في هذا المقال ينبع من القناعة بأن أي نقاش جاد حول دور المجتمع المدني في التعليم يجب أن ينطلق من هذه الأرضية المعرفية الصلبة التي وفرها المجلس.
ثانياً: رسم الخريطة.. من هي هذه الجمعيات وماذا تفعل؟ (تحليل ديموغرافي ومجالاتي بناءً على معطيات التقرير)
يقدم لنا تقرير المجلس الأعلى للتربية والتكوين (2019) في جزئه الأول، مسحاً شاملاً لهوية الجمعيات العاملة في القطاع. هذا المسح يكشف عن دينامية مذهلة، ولكنها تخفي تباينات عميقة.
1. الانفجار العددي والسياق التاريخي:
يشير التقرير إلى أن النسيج الجمعوي المغربي عرف طفرة كمية هائلة، خاصة منذ التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، مستفيداً من مناخ الانفتاح السياسي ومن إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية (INDH) في 2005. لقد تحول العمل الجمعوي في مجال التعليم من مبادرات نخبوية محدودة إلى ظاهرة مجتمعية واسعة.
2. الهوية المزدوجة:
بين "جمعيات القرب" والمنظمات المهيكلة: إحدى أهم الخلاصات التي يبرزها التحليل الإحصائي في تقرير المجلس الأعلى هي تلك الثنائية القطبية التي تسم المشهد الجمعوي:
الأغلبية الصامتة (جمعيات القرب): الغالبية العظمى من الجمعيات التي شملها مسح المجلس الأعلى هي جمعيات محلية، صغيرة الحجم، تعتمد على التطوع، وتشتغل بإمكانيات ذاتية محدودة جداً. هذه الجمعيات تلعب دور "الشعيرات الدموية" التي تصل إلى أعمق الدواوير والأحياء الهامشية، مقدمة خدمات مباشرة للسكان (محو أمية، روض أطفال بسيط). قوتها في قربها ومرونتها، لكن ضعفها يكمن في هشاشتها المؤسسية والمالية.
الأقلية المهيكلة (المنظمات الوسيطة): في المقابل، يرصد التقرير وجود نسيج أقل عدداً لكنه أكثر تأثيراً من الجمعيات الكبرى، التي تمتلك أطراً إدارية مأجورة، وتدير ميزانيات ضخمة، وترتبط بشراكات دولية ووطنية استراتيجية. هذه الجمعيات تتميز باحترافية عالية وقدرة على بلورة مشاريع مبتكرة، لكنها قد تفتقد أحياناً للحميمية والقرب الذي يميز الجمعيات الصغيرة.
3. التمركز الجغرافي:
استمرار الفجوة بين المركز والهامش: رغم الانتشار الواسع، تؤكد خرائط التوزيع الجغرافي الواردة في تقرير المجلس الأعلى (2019) استمرار تمركز النشاط الجمعوي القوي في المحاور الحضرية الكبرى (الدار البيضاء-الرباط، طنجة، مراكش)، بينما تعاني المناطق القروية والنائية من ضعف في النسيج الجمعوي المؤهل، رغم أنها المناطق الأكثر احتياجاً للتدخلات التربوية البديلة. هذه "العدالة المجالية" الغائبة هي إحدى النقاط المقلقة التي يثيرها التقرير.
ثالثاً: الغوص في مجالات التدخل.. أين يُحدث المجتمع المدني الفرق؟ (تحليل تفصيلي لقطاعات التربية حسب تقرير المجلس الأعلى)
يخصص تقرير المجلس الأعلى للتربية والتكوين حيزاً واسعاً لتحليل مساهمة الجمعيات في مختلف أسلاك ومجالات المنظومة التربوية. هذا التحليل يكشف أن الجمعيات لا تتدخل بنفس الكثافة في كل المجالات، بل تركز جهودها حيث توجد "فجوات" واضحة في العرض العمومي.
1. التعليم الأولي:
الحصن الذي تديره الجمعيات: يكاد يُجمع التقرير على أن قطاع التعليم الأولي (ما قبل المدرسي) هو المجال الحيوي الأول للتدخل الجمعوي في المغرب. الأرقام التي يقدمها المجلس الأعلى مذهلة في هذا الصدد. تاريخياً، وقبل أن تضعه الدولة كأولوية وطنية مؤخراً، كانت الجمعيات (إلى جانب القطاع الخاص التقليدي) هي المزود الرئيسي لخدمات التعليم الأولي، خاصة في الأحياء الشعبية والقرى. يبرز التقرير أن آلاف الأطفال المغاربة يدينون بتعلمهم الأبجديات الأولى لمربيات متطوعات أو شبه متطوعات في جمعيات الأحياء. هذا الدور لا يقتصر على تقديم الخدمة، بل يمتد إلى ابتكار نماذج بيداغوجية مرنة تتكيف مع السياقات المحلية، وهو ما تعجز عنه أحياناً النماذج النمطية المركزية.
2. محو الأمية والتربية غير النظامية:
فرصة ثانية للحياة: المجال الثاني الذي يظهر فيه الثقل الاستراتيجي للجمعيات، حسب تحليل المجلس الأعلى (2019)، هو مجال "الفرصة الثانية".
محو الأمية: يؤكد التقرير أن الدولة تعتمد بشكل شبه كلي على الجمعيات كـ "مناولين" (sous-traitants) لتنفيذ برامج محو الأمية للكبار. الجمعيات هي التي توفر المكونين، وتبحث عن المستفيدين (خاصة النساء في الوسط القروي)، وتوفر فضاءات التكوين. بدون هذه الأذرع الجمعوية، كان من المستحيل تحقيق الأرقام المسجلة في خفض نسب الأمية.
التربية غير النظامية: بالنسبة للأطفال المنقطعين عن الدراسة أو غير الممدرسين، تلعب جمعيات "مدرسة الفرصة الثانية" دور المنقذ. يشيد التقرير بقدرة هذه الجمعيات على إعادة تأهيل هؤلاء اليافعين مهنياً وتربوياً، وإدماجهم مجدداً في المنظومة التعليمية أو سوق الشغل، عبر مقاربات بيداغوجية ونفسية-اجتماعية مكيفة لا تتوفر في المدرسة النظامية الصلبة.
3. الدعم المدرسي وتنشيط الحياة المدرسية:
ينتقل تقرير المجلس الأعلى لرصد دور الجمعيات داخل أسوار المدرسة العمومية وخارجها في تقديم الدعم.
الدعم التربوي: تسد العديد من الجمعيات الفجوة الناجمة عن الاكتظاظ وضعف التحصيل عبر تقديم دروس تقوية مجانية أو شبه مجانية للتلاميذ المنحدرين من أوساط هشة.
الحياة المدرسية: يسجل التقرير الحيوية التي تضفيها الجمعيات على الفضاء المدرسي عبر الأنشطة الثقافية، الفنية، الرياضية، والبيئية. هذه الأنشطة، التي غالباً ما تكون غائبة في الزمن المدرسي الرسمي، تعتبر حاسمة في بناء شخصية المتعلم وصقل مواهبه.
4. التربية الدامجة للأشخاص في وضعية إعاقة:
العبء الأكبر: لعل أكثر الفصول تأثيراً في تقرير المجلس الأعلى هو المتعلق بالتربية الدامجة. يكشف التقرير حقيقة مرة: الجمعيات هي التي تحملت تاريخياً، ولا تزال تتحمل، العبء الأكبر في تعليم ورعاية الأطفال في وضعية إعاقة. يشير المجلس الأعلى إلى أن الجمعيات المتخصصة هي التي طورت الخبرات في مجالات التوحد، الإعاقات الذهنية والحركية، في وقت كان العرض العمومي شبه منعدم. هذه الجمعيات تدير مراكز متخصصة، وتكون مرافقين للحياة المدرسية، وتترافع من أجل حقوق هذه الفئة. يصف التقرير هذا الدور بالبطولي، لكنه ينبه إلى خطورة استمرار ارتهان حق دستوري (تعليم ذوي الإعاقة) بقدرات جمعيات تعاني من هشاشة التمويل.
5. التعليم العالي والبحث العلمي: الحلقة الأضعف:
على النقيض من المجالات السابقة، يسجل تقرير المجلس الأعلى (2019) حضوراً محتشماً للنسيج الجمعوي في مجال التعليم العالي والبحث العلمي. باستثناء بعض الجمعيات العالمة أو المؤسسات التابعة لشركات كبرى التي تمول بعض البحوث، يظل التفاعل بين الجامعة والمجتمع المدني دون المستوى المطلوب، وهو ما يفوّت فرصاً كبيرة لربط البحث العلمي بقضايا المجتمع الحقيقية.
رابعاً: تشريح الواقع الداخلي للجمعيات.. مكامن القوة ومواطن الضعف (التقييم المؤسسي حسب تقرير المجلس الأعلى)
لا يكتفي تقرير المجلس الأعلى للتربية والتكوين برصد مجالات التدخل، بل يوجه مجهر التحليل نحو البنية الداخلية لهذه الجمعيات، كاشفاً عن مفارقات صارخة بين الحماس التطوعي والواقع المؤسسي الهش.
1. الموارد البشرية:
بين نبل التطوع وهشاشة الاحتراف: تعتبر الموارد البشرية العمود الفقري للعمل الجمعوي. بناءً على المعطيات الإحصائية الواردة في التقرير:
هيمنة التطوع: لا يزال العمل التطوعي هو المحرك الأساسي، خاصة في الجمعيات الصغيرة والمتوسطة. يثمن التقرير هذا الرصيد القيمي والنضالي العالي الذي يضمن استمرارية الخدمات في ظروف صعبة.
أزمة الاحتراف: في المقابل، يدق المجلس الأعلى ناقوس الخطر بشأن ضعف احترافية الموارد البشرية. فنسبة الأجراء القارين في الجمعيات ضئيلة جداً. والأخطر هو الهشاشة التي يعاني منها العاملون في هذا القطاع (مربيات التعليم الأولي، منشطو محو الأمية) الذين يتقاضون تعويضات هزيلة وغير منتظمة، ويفتقرون للتغطية الاجتماعية، مما يؤدي إلى "دوران" (Turnover) مرتفع جداً في العنصر البشري، ويؤثر سلباً على جودة الخدمات المقدمة وتراكم الخبرات.
2. الحكامة والتدبير:
تحدي الانتقال من العفوية إلى المؤسسة: يرصد التقرير تبايناً كبيراً في ممارسات الحكامة داخل الجمعيات:
تعاني العديد من الجمعيات، وفقاً لـ تشخيص المجلس الأعلى، من ضعف في التدبير الإداري والمالي، وغياب الشفافية أحياناً، وشخصنة اتخاذ القرار، وضعف الآليات الديمقراطية الداخلية. هذا الوضع يعيق تطورها ويضعف ثقة الشركاء فيها.
في المقابل، توجد نخبة من الجمعيات التي طورت أنظمة حكامة متقدمة، تضاهي المقاولات، وتعتمد على التخطيط الاستراتيجي والتدقيق المالي المستقل.
3. التمويل: معضلة الاستدامة والارتهان:
قضية التمويل هي "أم المعارك" بالنسبة للجمعيات، وقد خصص لها تقرير المجلس الأعلى (2019) تحليلاً مستفيضاً كشف عن حقائق مقلقة:
الارتهان للتمويل العمومي: أظهرت أرقام المسح الوطني للمجلس أن الغالبية الساحقة من الجمعيات تعتمد بشكل شبه كلي على التمويل العمومي (شراكات مع الوزارات، المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، الجماعات الترابية).
هشاشة وعدم انتظام: المشكلة لا تكمن فقط في الاعتماد على الدولة، بل في طبيعة هذا التمويل. يصف التقرير المساطر الإدارية بالتعقيد والبطء الشديد، مما يؤدي إلى تأخر صرف المنح لشهور طويلة، ويضع الجمعيات في مآزق مالية خانقة، قد تضطرها لتوقيف أنشطتها أو تسريح عامليها.
ضعف التمويل الذاتي والخاص: يسجل التقرير ضعف قدرة الجمعيات على تنويع مصادر تمويلها، سواء عبر الأنشطة المدرة للدخل أو عبر استقطاب تمويلات من القطاع الخاص (المسؤولية الاجتماعية للمقاولات) أو التمويل الدولي، مما يبقيها في حالة هشاشة دائمة.
خامساً: العلاقة مع الدولة.. شراكة حقيقية أم مجرد "مقاولة من الباطن"؟ (تحليل لطبيعة الشراكات في تقرير المجلس الأعلى)
هذا المحور هو حجر الزاوية في تقرير المجلس الأعلى للتربية والتكوين (2019)، حيث يتم تفكيك طبيعة العلاقة المعقدة والملتبسة أحياناً بين السلطات العمومية والمجتمع المدني.
1. من منطق "الاحتواء" إلى منطق "التعاقد":
يرصد التقرير تطوراً تاريخياً في نظرة الدولة للجمعيات، من الحذر ومحاولة الاحتواء، إلى الاعتراف المتزايد بأهميتها والحاجة إليها، وصولاً إلى مرحلة "التعاقد" والشراكة التي كرستها القوانين الأخيرة.
2. نقد لنموذج الشراكة الحالي:
"المناولة" بدل "المشاركة": رغم التطور في الخطاب الرسمي، إلا أن التحليل الكيفي (المقابلات والمجموعات البؤرية) الوارد في تقرير المجلس الأعلى يكشف عن شعور واسع بالإحباط لدى الفاعلين الجمعويين.
المناولة (Sous-traitance): يرى الكثير من الفاعلين أن الدولة تتعامل معهم كـ "مياومين" أو مقاولين من الباطن لتنفيذ برامج جاهزة (مثل محو الأمية) بأقل تكلفة، دون إشراكهم الحقيقي في تصور هذه البرامج أو هندستها. الجمعية هنا تتحول إلى مجرد أداة تنفيذية، يُطلب منها تحقيق الأرقام دون الاهتمام بالجودة أو السياق المحلي.
غياب الثقة: يشير التقرير إلى استمرار أزمة ثقة مبطنة بين الطرفين. فالسلطات تتوجس أحياناً من الخلفيات الإيديولوجية أو السياسية لبعض الجمعيات، والجمعيات تشتكي من "وصاية" الإدارة وتعقيد مساطرها البيروقراطية التي تخنق المبادرة.
3. ضعف آليات التتبع والتقييم:
نقطة ضعف أخرى يثيرها تقرير المجلس الأعلى بحدة، وهي غياب ثقافة التقييم الحقيقي لأثر البرامج المنفذة بشراكة مع الجمعيات. غالباً ما يقتصر التتبع على الجوانب المالية والمحاسبتية الصرفة (هل صُرفت الأموال بشكل قانوني؟)، دون النظر إلى الأثر التربوي والاجتماعي الحقيقي على المستفيدين. هذا الغياب للتقييم النوعي يمنع تراكم الخبرات وتصحيح الاختلالات.
سادساً: خارطة الطريق نحو المستقبل.. توصيات المجلس الأعلى للارتقاء بدور الجمعيات
لا يكتفي تقرير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي (2019) بالتشخيص، بل يختتم مساره التحليلي بتقديم حزمة متكاملة من التوصيات الاستراتيجية والإجرائية، تهدف إلى إحداث نقلة نوعية في موقع وأدوار المجتمع المدني في المنظومة التربوية. هذه التوصيات تشكل خارطة طريق صلبة للمستقبل.
1. تجديد الإطار القانوني والتنظيمي:
يدعو المجلس الأعلى في توصياته إلى مراجعة شاملة للترسانة القانونية المؤطرة للعمل الجمعوي، بما يضمن تبسيط مساطر التأسيس، والاعتراف القانوني بخصوصية "الجمعيات التربوية"، وتوضيح نظام المنفعة العامة لجعله أكثر مرونة وتحفيزاً. الهدف هو خلق بيئة قانونية "ممكنة" (Enabling Environment) لا مكبلة للمبادرة.
2. إرساء نموذج جديد للشراكة والتمويل:
تعتبر هذه التوصية جوهرية في تقرير المجلس. يقترح المجلس الانتقال من منطق "المنحة السنوية" الهشة وغير المنتظمة، إلى منطق "التعاقد البرنامجي المتعدد السنوات" (Contrats-programmes pluriannuels). هذا يعني أن تتفق الدولة مع الجمعيات الجادة على برامج تمتد لثلاث أو خمس سنوات، مع ضمان تمويل قار ومستقر، مما يسمح للجمعيات بالتخطيط الاستراتيجي والاستثمار في مواردها البشرية. كما يدعو التقرير إلى تبسيط مساطر الصرف المالي واعتماد المرونة اللازمة للعمل الميداني.
3. تأهيل وتمهين الموارد البشرية الجمعوية:
يضع المجلس الأعلى قضية "التمهين" (Professionnalisation) على رأس الأولويات. يوصي التقرير بوضع برامج وطنية طموحة لتكوين الفاعلين الجمعويين في مجالات التدبير، الهندسة البيداغوجية، الترافع، وتقنيات التقييم. كما يدعو إلى ضرورة التفكير الجدي في وضعية العاملين الاجتماعيين والتربويين في الجمعيات، لضمان حد أدنى من الاستقرار المادي والاجتماعي لهم، بما يحفظ كرامتهم ويضمن جودة الخدمات التي يقدمونها لأبناء المغاربة.
4. مأسسة المشاركة في رسم السياسات التربوية:
لكي ننتقل من "المناولة" إلى "الشراكة"، يوصي تقرير المجلس الأعلى بخلق فضاءات مؤسساتية قارة للحوار والتشاور بين القطاعات الحكومية المعنية بالتربية والمجتمع المدني المتخصص. لا يجب أن يقتصر الرأي الجمعوي على اللقاءات العابرة، بل يجب أن يكون حاضراً في صيرورة اتخاذ القرار التربوي، بدءاً من التشخيص ووصولاً إلى التقييم.
) 5. تعزيز الحكامة والشفافية الداخلية للجمعيات: في المقابل، يحمل المجلس الأعلى الجمعيات مسؤولية تطوير بيتها الداخلي. توصي الدراسة بضرورة التزام الجمعيات بقواعد الشفافية المالية، واعتماد التدقيق الخارجي، وتفعيل الديمقراطية الداخلية، وتطوير قدراتها التدبيرية لتكون في مستوى الثقة المطلوبة.
خاتمة: المجتمع المدني.. الرهان الرابح لمدرسة الغد
في ختام هذه الرحلة التحليلية العميقة في ثنايا تقرير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي (2019) حول إسهام الجمعيات، تتضح لنا صورة بانورامية مركبة، مليئة بالآمال والتحديات.
لقد أثبت هذا التقرير المرجعي، بما لا يدع مجالاً للشك، أن المجتمع المدني المغربي ليس مجرد ديكور تكميلي في المشهد التربوي، بل هو فاعل حيوي، ديناميكي، يحمل على عاتقه قطاعات بأكملها (مثل التعليم الأولي والتربية الدامجة)، ويصل بخدماته إلى فئات ومجالات قد لا تصلها يد الدولة بالسرعة والفعالية المطلوبة. إن قصص النجاح التي يرويها الواقع، والأرقام التي رصدها المجلس الأعلى، تؤكد أن الاستثمار في هذا الرأسمال الاجتماعي هو استثمار رابح بكل المقاييس لضمان حق الجميع في تربية ذات جودة.
لكن، وكما كشف تشخيص المجلس الأعلى بجرأة، فإن هذا الفاعل الجبار لا يزال مكبلاً بقيود الهشاشة المالية، وضعف الاحترافية، وضبابية العلاقة مع الدولة التي تتأرجح بين الشراكة والتبعية.
إن تفعيل خارطة الطريق التي رسمها تقرير المجلس الأعلى (2019) في توصياته الختامية، ليس مجرد خيار تقني، بل هو خيار سياسي واستراتيجي حاسم. إن بناء مدرسة مغربية منصفة، دامجة، وذات جودة، كما نطمح إليها جميعاً، لن يتحقق إلا بتحرير طاقات المجتمع المدني، والاعتراف به شريكاً كاملاً، وتوفير الشروط المادية والقانونية والمعنوية ليقوم بدوره التاريخي.
إنها دعوة مفتوحة، نابعة من عمق التحليل الذي قدمه المجلس الأعلى، لكل الفاعلين – حكومة، مانحين، وجمعويين – للجلوس إلى طاولة حوار حقيقي، من أجل تعاقد جديد يضع مصلحة المتعلم المغربي فوق كل اعتبار، ويجعل من التكامل بين الرسمي والمدني رافعة حقيقية للإصلاح المنشود.