تقديم:
تعتبر الفضاءات الخضراء داخل المؤسسات التعليمية رئة المدرسة، وجزءاً لا يتجزأ من البيئة التربوية التي تساهم في التنشئة السليمة للمتعلمين. إلا أن ما نشهده بين الفينة والأخرى من إقدام بعض المسؤولين على اجتثاث أشجار معمرة من ساحات المدارس، يطرح تساؤلات مقلقة حول مدى الوعي بالمساطر القانونية، وحرمة الفضاء البيئي المدرسي.
جريمة في حق البيئة والتربية
إن عملية قطع الأشجار داخل المؤسسات التعليمية ليست مجرد "عملية تقنية" أو "إجراء تدبيري" بسيط، بل هي، في غياب المبررات القاهرة والمساطر القانونية، ترقى إلى مستوى "الجريمة البيئية". فاجتثاث أشجار قضت سنوات في تزيين الساحة وتوفير الظل للتلاميذ، دون سند قانوني، يعد ضرباً للمجهودات الوطنية الرامية لترسيخ ثقافة الحفاظ على البيئة، ويعطي قدوة سيئة للناشئة التي نلقنها في الفصول أهمية الغابة والتشجير.
المذكرة الوزارية 52: الحصن القانوني المنسي
لعل الجهل بالقانون لا يعفي من العقوبة، لكن تجاهل المذكرات الصريحة يعد خطأً إدارياً جسيماً. لقد حسمت وزارة التربية الوطنية هذا الجدل منذ عقود عبر المذكرة الوزارية رقم 52 بتاريخ 26 مارس 1990.
وتنص هذه المذكرة بوضوح وتفصيل على أن "منع قطع الأشجار بالمؤسسات التعليمية هو الأصل"، ولا يُسمح باللجوء إليه إلا في حالتين حصريتين للضرورة القصوى (خطر السقوط أو توسعة ضرورية للمرافق). وحتى في هاتين الحالتين، لا يمتلك مدير المؤسسة سلطة القرار المنفرد، بل هو ملزم باتباع مسطرة صارمة:
- الحصول على إذن مكتوب من إدارة المياه والغابات: باعتبارها الجهة التقنية الوصية على الثروة الغابوية.
- موافقة السلطات التربوية الإقليمية (المديرية): لضمان أن القرار يصب في مصلحة المؤسسة ولا يضر بجماليتها.
- إشراك الشركاء: مثل جمعيات الآباء والمنتخبين لضمان الشفافية.
غياب التنسيق والمساءلة
إن إقدام أي مسؤول إداري على تجاوز هذه التراتبية، والقفز على صلاحيات إدارة المياه والغابات وأملاك الدولة، يضعه تحت طائلة المساءلة القانونية والإدارية. فالتصرف في الملك العام الغابوي داخل المدارس دون ترخيص هو خرق سافر للقوانين الجاري بها العمل، ويستوجب تدخلاً عاجلاً من الجهات الوصية لفتح تحقيقات وترتيب الجزاءات، لضمان عدم تكرار مثل هذه الممارسات التي تحول مدارسنا إلى صحاري قاحلة بدلاً من فضاءات للحياة.
خاتمة
إن حماية البيئة المدرسية مسؤولية مشتركة، والعودة إلى تفعيل المذكرات الوزارية وتطبيق القانون بصرامة هو السبيل الوحيد لوقف نزيف "المجازر البيئية" التي ترتكب في حق ذاكرة مدارسنا ومستقبل أبنائنا البيئي.